أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

480

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

عبيد : « أتّبع » بالوصل ، قال : لأنه من المسير ، قال : تقول تبعت القوم واتّبعتهم ، فأما الاتباع بالقطع فمعناه : اللحاق ، كقوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ « 1 » . وقال يونس ، وأبو زيد : أتبع - بالقطع - : عبارة عن المجدّ المسرع الحثيث الطّلب ، وبالوصل إنما يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات . قوله : حَمِئَةٍ . قرأ ابن عامر ، وأبو بكر ، والأخوان : بالألف ، وياء صريحة ، بعد ميم ، والباقون دون ألف وهمزة بعد الميم ، فأما القراءة الأولى ، فإنها اسم فاعل من حمى يحمي ، والمعنى : في عين حارة ، واختارها أبو عبيد ، قال : لأنّ عليها جماعة من الصحابة ، وسماهم . وأما الثانية : فهي من الحمأ ، وهي : الطّين ، وكان ابن عباس عند معاوية ، فقرأ معاوية : « حامية » ، وقال ابن عباس : « حَمِئَةٍ » فسأل معاوية ابن عمر كيف تقرأ ؟ فقال : كقراءة أمير المؤمنين ، فبعث معاوية يسأل كعبا فقال : أجدها تغرب في ماء وطين ، فوافق ابن عباس ، وكان رجلا حاضرا هناك ، فأنشد قول تبّع : 3226 - فرأى مغيب الشّمس عند مآبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد « 2 » ولا تناقض بين القراءتين ، لأنّ العين جامعة بين الوصفين : الحرارة ، وكونها من طين . قوله : إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ يجوز في « أن تعذّب » الرفع على الابتداء ، والخبر محذوف ، أي : إما تعذيبك واقع ، أو الرفع على خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو تعذيبك ، أو النصب : أي : إما أن تفعل أن تعذّب أي التعذيب . قوله : جَزاءً الْحُسْنى . قرأ الأخوان وحفص بنصب « جَزاءً » وتنوينه ، والباقون برفعه مضافا ، فالنصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة ، أو ينصب بمضمر ، أو مؤكد ، لعامل من لفظه مقدر ، أي : يجزى جزاء ، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدّم عليه ، وقد يعترض على الأول بأن المصدر المؤكد لمضمون الجملة لا يتقدم عليها ، فكذا لا يتوسط . وفيه نظر ، يحتمل الجواز والمنع ، وهو إلى الجواز أقرب . الثالث : أنه في موضع الحال ، والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء ، والخبر الجار قبله . و « الْحُسْنى » مضاف إليها ، والمراد ب « الْحُسْنى » الجنّة ، وقيل : الفعلة الحسنى . الرابع : نصبه على التفسير ، قاله الفراء ، يعني التمييز . وهو بعيد . وقرأ ابن عباس ، ومسروق بالنصب والإضافة ، وفيها تخريجان : أحدهما : أن المبتدأ محذوف ، وهو العامل في « جَزاءً الْحُسْنى » ، التقدير : فله جزاء الحسنى . والثاني : أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله :

--> ( 1 ) سورة الصافات آية ، ( 10 ) . ( 2 ) وقيل لأمية بن أبي الصلت انظر التهذيب ( 5 / 230 ) ، ( 14 / 5 ) ، ( 7 / 418 ) ، البحر المحيط ( 6 / 159 ) ، القرطبي ( 11 / 49 ) ، روح المعاني ( 16 / 32 ) ، اللسان « أوب » ، « ثأط » ، « حرمد » .